لنرجسي… حين يتحول الإعجاب بالنفس إلى عزلة مُقنّعة.

 لنرجسي… حين يتحول الإعجاب بالنفس إلى عزلة مُقنّعة

بقلم بسمه صبحي

في زمن تُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين، وتُختصر فيه الثقة بالنفس في صورة مُفلترة أو إنجاز مُعلن، يبرز نمطٌ نفسي قديم بثوبٍ عصري لامع: الشخصية النرجسية. ليست مجرد ثقة زائدة كما يظن البعض، بل حالة معقدة تتداخل فيها الحاجة للإعجاب مع هشاشة داخلية لا تُرى.

الشخص النرجسي غالبًا ما يبدو واثقًا، متماسكًا، قادرًا على القيادة والتأثير. لكنه في العمق يعيش صراعًا مستمرًا مع ذاته، إذ يعتمد تقديره لنفسه على نظرة الآخرين إليه. هو لا يرى نفسه كما هي، بل كما يريد أن يراه الآخرون. لذلك، يسعى دومًا إلى جذب الانتباه، وقد يبالغ في إنجازاته أو يقلل من شأن من حوله ليظل في مركز الصورة.

المفارقة أن هذا السلوك لا ينبع دائمًا من قوة، بل من خوف دفين من الرفض أو التهميش. فكل نقد—even لو كان بسيطًا—قد يُفسَّر كتهديد مباشر لصورته الذاتية، ما يدفعه إلى الدفاع بشراسة أو الانسحاب ببرود. وفي العلاقات، يميل النرجسي إلى استنزاف الطرف الآخر عاطفيًا، حيث يُقدّم نفسه محورًا لكل شيء، ويُقلّص مساحة الآخر حتى يكاد يختفي.

لكن النرجسية ليست قالبًا واحدًا؛ فهناك من يُظهرها بشكل صريح، متفاخر ومُسيطر، وهناك من يخفيها خلف قناع الضحية أو الحساسية المفرطة. وفي الحالتين، تبقى الحاجة إلى التقدير والاعتراف هي المحرك الأساسي.

التعامل مع الشخصية النرجسية يتطلب وعيًا وحدودًا واضحة. فمحاولة “إصلاح” النرجسي دون رغبة منه غالبًا ما تؤدي إلى مزيد من التعقيد. الأفضل هو الحفاظ على توازن العلاقة، وعدم الانجراف في دائرة الإرضاء المستمر التي لا تنتهي.

في النهاية، تبقى النرجسية مرآة تعكس جانبًا من ثقافة تُكافئ المظاهر أكثر مما تُقدّر الجوهر. وربما يكون التحدي الحقيقي ليس في مواجهة النرجسيين فقط، بل في إعادة تعريف النجاح والتقدير بعيدًا عن ضجيج الصورة… نحو مساحة أكثر صدقًا وإنسانية.

Post a Comment

أحدث أقدم