عبور الوطن.. وعبور الذات

 عبور الوطن.. وعبور الذات

 كتبت: د. عبير شبل استشاري نفسي واسري واللايف كوتش

​هل تساءلتم يومًا: ما هو الوطن؟

هل هو مجرد مساحة على الخريطة تُحدّها خطوط وزوايا؟ أم أنه شيء أكبر وأعمق من أن تحويه جغرافيا؟

​الوطن يا أصدقائي ليس أرضًا نعيش عليها فحسب.. الوطن هو "المعنى" الذي يعيش فينا. هو رائحة الشوارع بعد المطر، هو صوت أمهاتنا وهنّ يدعون لنا في الفجر، هو الطمأنينة التي تسري في أجسادنا بمجرد أن نتنفس هواءه.. الوطن هو البيت الأول والأخير، والسند الذي لا يميل مهما مالت بنا الحياة.

​وحين نتحدث عن حب الوطن، فإننا لا نتحدث عن شعارات براقة أو كلمات رنانة، بل نتحدث عن "وفاء"؛ والوفاء لا يُقاس إلا باللحظات الصعبة.. باللحظات التي اختارت فيها هذه الأمة أن تقف من جديد، لتكتب تاريخها بدمها وعرقها.


​وهنا، تأخذنا الذاكرة إلى السادس من أكتوبر..

​لو عدنا بالزمن قليلاً إلى ما قبل ذلك اليوم.. لم يكن خط برليف مجرد ساتر من التراب والمستحيل، بل كان أسطورة صُنعت لتخويف النفوس. كانت التحليلات والأقاويل تتردد في العالم أجمع: "لا أمل.. العبور انتحار". كان مانعًا مرعبًا تصدر عنه مشاهد وأحادیث تزرع الرهبة في القلوب قبل أن تصل إليه الأقدام.

​لكن الروح المصرية في ذلك اليوم لم تنظر إلى طول الساتر ولا إلى قسوة المانع، بل نظرت إلى الحق الذي خلفه..

شبابٌ في عمر الورد، صائمون، حملوا أسرهم وأحلامهم في قلوبهم، وجعلوا من "الله أكبر" نبضًا يقهر المستحيل. وفي ساعات معدودة، تهدمت الأسطورة، وتحول الجبار الموهوم إلى تراب زائل تحت أقدام الأبطال.


​واليوم.. دعونا نسأل أنفسنا بصدق: كم خط برليف نَبنيه نحن داخل أنفسنا؟

​فلكل منا في حياته "خط برليف" خاص به.. فكرة نخشى الإقدام عليها، قرار نؤجله خوفًا من الفشل، خطوة للتعافي أو النجاح نهرب منها لأن الرهبة تصوّر لنا أنها مستحيلة! نعيش أسرى لكلام وأقاويل ومخاوف داخلية تجعلنا نقتنع أن العبور غير ممكن.

​ولكن درس أكتوبر الخالد لا يكتفي بمنحنا الفخر بالماضي، بل يهدينًا حكمة حاضرة تعيش معنا: إن المستحيل لم يُخلق ليوقفنا، بل خُلق لنعبره.

​خط برليف الذي تخافه في حياتك اليوم، ليس أعتى ولا أقوى من ذلك الذي تهدم بالإيمان والعمل. كل ما تحتاجه هو أن تأخذ نفسًا عميقًا، أن تثق بربك وبقدرتك، وتبدأ بالخطوة الأولى.. لأن خلف كل خوف نتحداه، توجد حريتنا ونجاحنا ونصرنا 


​حب الوطن اليوم لا يتطلب منا فقط أن نتذكر أبطال العبور، بل أن نكون أبطالاً في مياديننا:

​الطالب الذي يتجاوز خوفه ويسهر ليتعلم.. يعبر خط برليف الخاص به.

​المعلم الذي يغرس الأمل ويرمم نفوس الصغار.. يحمي هذا الوطن.

​وكل إنسان يقرر ألا يستسلم لخوفه، بل ينهض ويبني ذاته بضمير حي.. هو امتداد حقيقي لروح أكتوبر.

​الوطن يتكون من هذه العبورات الصغيرة التي نحققها كل يوم في ذواتنا وفي عملنا وفي إخلاصنا لمن نحب

 وختاما ​أيها الأحبة..

البلاد لا تُبنى بالإمكانيات المادية وحدها، بل تُبنى بالإيمان، والإرادة، والمحبة، وبشرٍ يرفضون الخضوع للخوف.

​ونحن أحفاد من عبروا أعتى الموانع، وأحفاد من جعلوا المستحيل ممكنًا.

​فليكن تذكرنا لنصر أكتوبر تجديدًا للعهد:

عهدٍ بأن نكون أوفياء لهذه الأرض، أن نعبر مخاوفنا الذاتية لنتطور، أن نرفع شأن وطننا بعلمنا وعملنا، وأن نكون الدفء والأمان والسلام الذي يستحقه كل من حولنا.

​عاشت مصر حرّة كريمة.. وعاش شعبها العظيم أملًا ونورًا ودفئًا لا ينطفئ.

​دمتم ودام الوطن بخير..

Post a Comment

أحدث أقدم